تكثر في الآونة الأخيرة الدعوات الى توحيد قوى “المجتمع المدني” في جبهة واحدة (أو جبهات) لخوض استحقاق الانتخابات النيابية الموعودة. ونسمع كل يوم عن اجتماع ل”هيئات المجتمع المدني”، أو عن مداخلة ل”ناشط في المجتمع المدني”، أو تحرك ل”ممثلي المجتمع المدني”. من هو هذا المجتمع المدني؟ من يمثل؟ من انتدب أعضاءه للتحدث بإسمنا؟ كيف ننضم إليه أو نرتقي لنصبح إحدى “شخصياته”؟

يقول البعض أن المجتمع المدني يضم كل الهيئات والأفراد خارج نطاق مؤسسات الدولة. عظيم، هل ذلك يشمل شركات القطاع الخاص والأحزاب، الذين هم أيضا” خارج القطاع الرسمي؟ لا نعرف. هل يشمل النقابات ونوادي الطلاب واتحادات المهن والحرف والرياضة؟ لا نعرف. إذن من يمثل؟ الحقيقة أن مصطلح “مجتمع مدني” بات يستخدم لكل من “ينشط” خارج التنظيمات المجتمعية التقليدية ضمن تحركات اعتراضية ضد جزء آخر من المجتمع (إجمالا” قوى السلطة). ويلاحظ من يتابع أنشطة هيئات “المجتمع المدني” من جهة قدرتها على تحفيز واشراك جزء كبير من المواطنين في حملات مطلبية موضعية (مثل حركة الاحتجاج على أزمة النفايات)، ومن جهة أخرى تخبطها في التعاطي مع شؤون تنظيمية أساسية (مثل الخطاب السياسي أو الادارة الداخلية) ونفورها من التنظيمات السياسية التقليدية كالأحزاب والنقابات.

الأزمة الأساسية برأيي لكل مكونات “المجتمع المدني” هي أزمة شرعية شعبية. وبهذه أعني مقدار الدعم والتأثير المجتمعي التي تناله كل مجموعة. ففي عصر اعلام ال”سكوبات” وال”سوسيال ميديا”، باتت تقاس شعبية الأفراد والمجموعات بعدد ال”لايكات” والظهور على الشاشات. لم يعد هناك حاجة لبناء خطاب سياسي متعمق ومتمايز أو تخطيط لمعارك سياسية تراكمية. اختُذلت السياسة ضمن خطاب عنفي ضد الغير ومسابقات على من يستحوذ محبة الناس الافتراضية، ولو لبضعة دقائق. هذا ليس هجوما” على التطور التكنولوجي وقدرات شبكات التواصل الخارقة في نشر المعلومات وكسر الحواجز بين الناس. انما انه انتقاد صريح لكل من يعتمد على هذه الشبكات حصرا” في العمل السياسي، وينصب نفسه في مراكز طليعية بناء على “محبة” أصدقاءه له. السياسة لا تقتصر على اقناع الأصدقاء، انما هي فن اقناع من لا يتفق معنا. وهنا الفرق بين حركات تشبه النوادي المغلقة وتلك التي تسعى لعبور الحواجز المجتمعية.

التغيير، ان كان عبر خوض الانتخابات أو في معارك أخرى، يتطلب فهما” لطبيعة المكونات المجتمعية التي يمكنها التأثير على القرار السياسي.
في لبنان، نظام الطبقة الحاكمة يعتمد على شبكة أفراد ومؤسسات، عامة وخاصة، امتهنت المحاصصة الطائفية والعنف المالي والعسكري لتثبيت “شرعيتها”. احداث تغيير في هذه الطبقة لن يتم عبر الاعتماد حصرا” على أدوات سياسية وتنظيمية، مثل التحركات الاعتراضية والحملات على شبكات التواصل، التي لا تزعج شبكة العلاقات القائمة. بل على العكس، نجد أركان الحكم (وداعميهم في الداخل والخارج) يصفقون لهذا المجتمع المدني “النظيف” ويشجعونه. فأصبحت تحركاته الاعتراضية “المقبولة” تثبت شرعية الحاكم عبر ابراز “ديموقراطية وانفتاح” حكمِه. لن نستطيع انجاز أي تغيير هكذا. على قوى “المجتمع المدني” أن تسعى الى بناء شرعية سياسية وتنظيمية تنافس أحزاب السلطة ومؤسساتها، عبر انشاء أحزاب وجمعيات ونقابات جدية تسعى الى كسب شعبي للمؤيدين. عليها أن تضع آليات انتساب وانتخابات داخلية واضحة وديموقراطية، وتنشط بمهنية وشفافية، وتمد يدها للاحزاب والمكونات المجتمعية الأخرى من دون عقد، وتضع خطط عمل طويلة الأمد. في زمن الفعل السياسي القصير الذي يقاس بالنقر على الشاشات، على قوى التغيير أن تعيد احياء “الزمن السياسي الطويل”، في الساحات والمقاهي والمنازل. الانتخابات النيابية المقبلة ليست امتحانا” للطبقة الحاكمة، فهي قابعة في مكانها متشبثة بقصورها. انها امتحان لقوى ما يسمى بالمجتمع المدني، لتثبت جدارتها في خوض المعارك داخل الحلبة وليس خارجها.

نشرت في مجلة “الحراك ” في كانون الأول 2017

Facebook Comments

Post a comment