وزارة العمل اللبنانية ترخص لأساتذة من جنسيات معينة (أمريكية وأوروبية بشكل أساسي) بينما تماطل في ملفات أساتذة سوريين وإثيوبيين وموظفين فلسطينيين بحجة حماية العمالة المحلية. والأساتذة يتهمون الوزارة بـ”العنصرية”.

ماذا حصل مع أساتذة “الجامعة الأمريكية في بيروت”؟

في منتصف العام الماضي، دقّ وزير العمل اللبناني سجعان قزي ناقوس الخطر. 46 في المئة من الشباب اللبناني عاطل عن العمل. هذا الرقم “آلم” الوزير الذي أسف لرؤية أصحاب المؤسسات يطلبون من الوزارة تراخيص عمل لأجانب ويسدون الطرق أمام “الكفاءات اللبنانية” التي تضطر للهجرة.

عام 2015 لم يكن أفضل حالاً بالنسبة للوزير، تداعيات اللجوء ازدادت، الفوضى العارمة في سوق العمل اتسعت و”الإحصائيات” التي تحدد قواعد العرض والطلب في سوق العمل لا تزال غائبة. بناء عليه، استنفر قزي طاقاته، فأصدر قانون عمل جديد يحصر عدداً من المهن الأساسية بيد اللبنانيين. قالها صراحة، “أولويتنا العمالة المحلية ولا حياء في الأولويات، حتى وإن اتهمنا بالعنصرية”.

ولكن ماذا عن الإشكال الذي اشتعل هذا الأسبوع مع أساتذة أجانب من الجامعة الأمريكية في بيروت؟ وهل يندرج فقط ضمن حماية العمالة المحلية؟ كانت القضية لتبقى تحت سقف القانون الذي حدده الوزير “الخائف من منافسة العمالة الأجنبية” لو أن المماطلة في إعطاء تراخيص العمل طالت جميع الأساتذة التي قدمت الجامعة طلباتهم للوزارة. لكن الأساتذة من جنسيات أمريكية وأوروبية حظوا بها سريعاً فيما تأخرت الوزارة في البت بملفات السوريين والفلسطينيين والإثيوبيين منهم.

هذا ما كشفه اتحاد الأساتذة في الجامعة، الذي يعتبر كنقابة تضم نصف عدد أساتذة الجامعة (300 أستاذ) وهي مسجلة لدى وزارة الداخلية اللبنانية وفي الولايات المتحدة. وصف الاتحاد إجراءات الوزارة بـ”الانتقائية” وبـ”العنصرية”.

في حديث لـ”فرانس 24″ اشتكى رئيس الاتحاد جاد شعبان من “سياسات التمييز المخالفة لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمواثيق التي وقعتها الحكومة اللبنانية”، مذكراً أن “مهنة التدريس، وتحديداً التعليم العالي، لم تُدرج في قرار قزي حصر المهن باللبنانيين، بينما ترك البت بتراخيصها لاستنسابية الوزير”. إدارة الجامعة الأمريكية كانت أكثر ليونة في التعامل مع قرارات الوزير، وهذا ما دفع بالاتحاد إلى رفع الصوت.
يعلق شعبان “نحترم إدارة الجامعة لكننا نغالطها، كما نحترم القانون لكن ما حصل ليس إلا إجراءات تمييزية تركزعلى جنسيات ومجموعات عرقية محددة دون غيرها كالأمريكية والأوروبية”.

مبررات الوزير.. ورد الأساتذة
“الإثيوبيون في لبنان للتنظيف (أكثرية الإثيوبيين في لبنان يعملون في الخدمة المنزلية) وليس لتعليم أبنائنا”، عبارة ينقلها أستاذ في الجامعة (رفض الكشف عن اسمه) عن وزير العمل، ونسمع ما يشبهها عند زيارتنا للوزير نفسه بقوله “اللبنانيون أكثر كفاءة لتعليم اللبنانيين” و”هل السوريين الذين تطلب لهم الجامعة تراخيص عمل بالجملة (6 أساتذة) كفوئين؟، وإذا كان هؤلاء من المعارضة السورية وبعدها أتت الجامعة بأساتذة من النظام من يضمن عدم الصدام بينهم؟”.

يعلّق على هذه التصريحات لـ”فرانس 24″ رئيس قسم الاجتماع والاتصال في الجامعة ساري حنفي قائلاً “الجامعة تختار على أساس الكفاءة، وكأن الوزير بتصريحاته يعتبر سلفاً أن الانتماء إلى جنسية معينة تعني عدم كفاءتها”.
يستطرد حنفي، الأستاذ الفلسطيني، مؤكداً أن الأساتذة ينتمون إلى أطياف مختلفة، وهذا أساس التنوع هنا، والدليل أن الجامعة الأمريكية تقدم 79 في المئة من نسبة الأبحاث في لبنان، وهي أبحاث غنية بسبب التنوع الجغرافي لدى معديها”.

القصة انتهت على خير، حصل الأساتذة المذكورين على تراخيصهم، لكن بعد مماطلة “مرهقة” كادت أن تودي بأحدهم إلى السجن بعد انتهاء ترخيص عمله، يقول أستاذ في الجامعة. الكل في أوساط الأساتذة مجمع على أن حماية العمالة المحلية أساس في تطور ونمو أي مجتمع، المشكلة ليست هنا بل في “الانتقائية” و”المعايير المزدوجة” في تطبيق القوانين.

هل تُحمى العمالة المحلية.. بـ”قوانين مجتزئة”؟
كثيرة كانت التقارير التي أكدت الضغط الهائل الذي تعرض له سوق العمل اللبناني خلال العامين الماضيين، لا سيما في ظلّ اللجوء السوري، علماً أن العمالة السورية تعد أرخص أجراً من اللبنانية.
وقد يجد الخوف من ضياع الفرص اللبنانية، شبه الضائعة أساسا في ظلّ تقصير السياسات الرسمية عن خلق فرص جديدة، أسباباً كثيرة في بلد مليء بالجنسيات المتنوعة بفعل قسرية اللجوء أو مغريات العمل.
لكن “حرص” وزارة العمل على النهوض بالهوية اللبنانية له منتقديه أيضاً. هؤلاء يطرحون أسئلة عدة تحتاج إلى مراجعة وقد لا تجد الجواب قريباً. كيف يُشمل الفلسطينيون الموجودون في لبنان منذ أكثر من أربعة أجيال بقرارات الوزارة وهل تصلح مقاربة وجودهم بعين أمنية بحتة (“إرهابيي” المخيمات) لا تأخذ الجانب التنموي والإدماجي بالاعتبار؟

وهل يحمّل الأجنبي، لا سيما السوري، وحده تبعات المنافسة في ظلّ قصور قانون العمل عن محاسبة أرباب العمل الذين يتحملون مسؤولية كبيرة من الطرد التعسفي للموظفين إلى الأجور المتدنية إلى وإلى؟ من يعيد النظر في القوانين نفسها التي يشوبها “خلل بنيوي”بحسب قانونيين ومن يتحمّل جهل أكثر اللبنانيين بقوانين عملهم؟
وسؤال المنتقدين الأخير: هل بالشعارات “الفولكلورية الرنانة” وحدها تُستنهض العمالة المحلية؟

 

هيفاء زعيتر

نشرت في : 12/03/2015

© فرانس24

Facebook Comments

Post a comment