من المفترض أن تقر الحكومة هذا الأسبوع ميزانية جديدة لعام 2019 ، حيث سيتم تطبيق “تخفيضات جوهرية في الإنفاق” ، وحيث “من المتوقع أن يقدم الجميع تنازلات مؤلمة”. الهدف الرئيسي هو تخفيض العجز الحكومي واحتواء نمو الدين العام ، بانتظار قروض “سيدر” التي من المفترض أن تساعد في تمويل البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة. لكن كل هذا لن يحل مشاكلنا.

وضع الدين العام ليس جيدًا ، ولكنه أيضًا ليس كارثيًا. يبلغ الدين العام حاليا كحصة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي حوالي 150٪ ، ولكن هذه الحصة كانت 185% في عام 2002، السنة التي تم فيها اقرار حزمة لتخفيض الديون من ضمن “باريس 2″. بالاضافة الى ذلك، أكثر من نصف هذا الدين هو الآن بالليرة اللبنانية، و 92 ٪ من إجمالي الدين بجميع العملات تسيطر عليه مؤسسات محلية (مصرف لبنان ، المصارف المحلية التجارية والمؤسسات العامة اللبنانية). لذا من السهل التحكم فيه نظرًا لارتباطه بشكل وثيق بجهات محلية وليس بمؤسسات أو دول أجنبية.

المشكلة الأساسية في مكان آخر. منذ العام 2011 ، بالتوازي مع الحروب الإقليمية وعدم الاستقرار السياسي المحلي ، انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي في لبنان بشكل حاد ، وهذا تسبب في انخفاض المداخيل لدى اللبنانيين ، وفقدان فرص العمل ، وانخفاض في المداخيل الضريبية التي تجمعها الحكومة (حيث أن معظم الضرائب لدينا هي غير مباشرة وترتبط بشكل وثيق بالاستهلاك المحلي). في موازاة ذلك ، قرر مصرف لبنان زيادة أسعار الفائدة لجذب المزيد من الدولارات والمحافظة عليها، من أجل تعزيز الاحتياطيات بالعملات الأجنبية. ونحن بطبيعة الحال بحاجة إلى هذه الاحتياطيات لتمويل وارداتنا (نظرًا لمحدودية انتاجنا محليًا) ، وللتأكد من تغطية السيولة بالدولار في حال اندلاع أزمات سياسية قد تؤدي الى زيادة الطلب من قبل المودعين على العملات الأجنبية الأكثر أمانًا.

ولكن من خلال زيادة أسعار الفائدة هذه ، قرر معظم الناس تجميد أموالهم في البنك. فانخفض الاستهلاك وتراجعت الاستثمارات ؛ وارتفعت تلقائيا أسعار الفائدة على القروض، مما رفع كلفة الاستدانة والاستثمار لدى الشركات. ووصلت حديثا” الفوائد الدائنة على قروض الأموال للشركات الى أكثر من 15٪ . من الذي سوف يقترض ويستثمر في هذه الظروف؟

نحن الآن في وضع يسميه الاقتصاديون “stagflation”، أي ركود مع  تضخم ، حيث يتراجع أو ينعدم النمو الاقتصادي بالتوازي مع ارتفاع في الأسعار. قروض CEDRE  لن تحقق النمو على المدى القصير إلى المتوسط، حيث أن قروض تمويل البنية التحتية تستغرق عدة سنوات وحتى عقود لتحدث تأثيرا” على الاقتصاد. وتخفيض العجز ، خاصة عن طريق زيادة الضرائب غير المباشرة أو تخفيض رواتب موظفي القطاع العام ، سيكون غير عادل من الناحية الاجتماعية وسوف يزيد من انخفاض الاستهلاك الخاص ويمعن في خفض النمو أكثر. إن الاستمرار في سياسة تجميد التوظيف في القطاع العام وخفض الإنفاق الضروري غير مجدي على المدى المنظور ، حيث لا يزال القطاع الخاص في الظروف الحالية غير قادر على خلق الوظائف الضرورية والنمو الاقتصادي المطلوب.

المطلوب هو خطة تنمية اقتصادية شاملة تربط السياسة المالية (كيفية ادارة الحكومة لإنفاقها وإيراداتها) بالسياسة النقدية (كيفية تحديد أسعار الفائدة ولجم التضخم). على مصرف لبنان أن يعود إلى دعم أسعار الفائدة على نطاق واسع لخفض كلفة التمويل والسيطرة على التضخم. وتحتاج الحكومة إلى خفض الإنفاق غير المجدي واستخدام المدخرات لتمويل مشاريع فعالة على المدى القصير تولد دخلا” وفرص عمل سريعة. ويمكن أن تطلب الحكومة بالتوازي فترة سماح على ديونها من المصارف المحلية ، على غرار ما فعلت عام 2002 ، إلى أن ترتفع إيراداتها مرة أخرى. منذ عام 2011  الى اليوم شهدت مصارف المجموعة “ألفا” (أكبر 14 مصرفا” تجاريا”) زيادة في متوسط ​​أرباحها الصافية بنسبة 7 ٪ كل عام . وهذا على الرغم من تراجع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال نفس الفترة والمعاناة الكبيرة للعديد من القطاعات الأخرى. لذلك ، فمن العادل أن يطلب من المصارف المساهمة أكثر من غيرها للمساعدة في تحقيق التوازن في الميزانية العامة ، من خلال قبول سندات خزينة بصفر فائدة لمدة عامين ، على غرار ما فعلوه في عام 2002.

في بلد وصل فيه معدل الفقر الى 35٪ ، وفي ظل تجزئة القطاع الخاص إلى الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتركز في التجارة والخدمات ، يحتاج القطاع العام إلى التدخل والتخلي عن نموذج التقشف غير الناجح. ولا ينبغي أن يتم التوظيف العام في الأجهزة الأمنية أو في المؤسسات العامة غير الفعالة. يجب تخصيص المزيد من الموظفين و زيادة الميزانيات للمستشفيات العامة والجامعة اللبنانية والمحميات الطبيعية والبلديات والإسكان الاجتماعي والفن والثقافة والمواقع السياحية والقطاعات الحيوية الأخرى في اقتصادنا. عوضا” عن المزيد من التقشف ، نحتاج فعلاً إلى زيادة الانفاق العام الفعال للخروج من هذه الأزمة.