هناك الكثير في لبنان ممّا يستدعي القيام بثورة، لا بل ثورات. فالهوّة بين الأغنياء والفقراء تتسع بطريقة مطردة، على الأقل منذ نصف قرن. حجم الطبقة الوسطى بات ثلث ما كان عليه منذ ثلاثين سنة، حيث انخفضت نسبة الأسر ذات الدخل المتوسط من 60% من مجموع الأسر في لبنان عام 1974 الى 20% عام 2004. الإحصاءات الرسمية والجامعية تشير إلى أن أكثر من ثلث اللبنانيين وما يقارب ثلثي الأجانب واللاجئين المقيمين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر بينما يستهلك أغنى 20% من اللبنانيين نصف مجموع الاستهلاك في لبنان. أوضاع العمال والموظفين تستدعي الثورة أيضا فـ70% منهم يحصلون على راتب شهري لا يتعدى 1.200.000 ل.ل.، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتأمين الإحتياجات الأساسية لهم ولعائلاتهم. ثلث العمال والموظفين فقط مصرّح عنهم للضمان الاجتماعي، بينما يرزح الباقون تحت وطأة جشع المستشفيات وذلّ المحسوبيات. حتى المستفيدون من الضمان الاجتماعي يخسرون تغطيتهم الصحية عند التقاعد بسبب قانون الضمان “الرائع” ، فالمسن الأشد عوزا للتغطية والمساعدة الصحية لا يملك حق التقاعد بكرامة ورفاه. لماذا اذن لا تحصل ثورة في لبنان؟
برأيي هناك على الأقل ثلاثة عوامل أساسية تشكل المحور الأساسي لقيام الثورات الاجتماعية. العامل الأول هو الهبوط الحاد في المقومات المعيشية، مثل الفقر والجوع والبطالة. العامل الثاني يتمثل في وجود تكتلات وتجمعات مطلبية (نقابات وأحزاب وجمعيات) منظمة وفاعلة بطريقة تمكنها من امتصاص النقمة الإجتماعية وتحويلها الى حركة مطلبية جامعة. أما العامل الثالث فيتمثل في وجود ثقافة عامة ترفض التمييز الطبقي وتؤمن بالعمل المشترك كوسيلة لتحقيق المنفعة العامة. وبرأيي إن الطبقة الحاكمة في لبنان، بقطاعيها العام والخاص، تعمل بشكل حثيث وممنهج على السيطرة على العوامل الثلاثة الآنفة الذكر، بغية منع أي ثورة أو تغيير في لبنان.
فالطبقة الحاكمة، أو ما قد يعرف بالإقطاع السياسي أو رؤساء شبكات المحاسيب، يمنعون أولا الأوضاع الاقتصادية في لبنان من التدهور بشكل حاد، عبر تفعيل شبكات الدعم المالي والاقتصادي في الدولة كما في الشركات الخاصة. فنجد الحكومة تسارع، كلما ارتفعت أسعار القمح العالمية، الى دعم سعر الطحين بمليارات الليرات، عوضا عن مجابهة كارتيلات المستوردين والمطاحن ووضع سياسات أمن غذائي مستدامة. كما نجد الحكومة تقلّل من أثر الفقر عبر دفع الأموال أو شراء المحاصيل أو دفع فواتير العلاج، عوضا عن التفتيش على حلول جذرية تتجه نحو محو الفقر وتقليص الهوة الإجتماعية، وتأمين مصادر مداخيل مستدامة تحقق الأمن الاقتصادي. أما في محاربة البطالة، فتلجأ الطبقة الحاكمة الى التوظيف في قطاعات تؤمن التبعية والاستزلام، مثل القوى العسكرية أو الوظائف الخدماتية، فنجد خيرة شاباتنا وشبابنا يمضون أفضل أيام حياتهم في وظائف تدفعهم نحو الروتين والخضوع، فيقتل فيهم الاندفاع والطموح والرغبة في التغيير. كل هذا جعل الإنفاق العام في لبنان يتخطى 30% من الناتج القومي، ورتب دينا عاما يشكل أربعة أضعاف القيمة التي كان يسجلها عام 1990. ولتمويل هذا الإنفاق على “ترويض” الشعب، سهل الإقطاع السياسي حركة القطاع المالي، وسمح بالضرائب المخففة والقوانين المسهّلة بتدفق الأموال لتمويل استدانة القطاع العام والخاص.
بالتوازي مع تطبيق سياسات مالية واقتصادية تحافظ على نوع من “صمام الأمان” أمام التهديدات بانفجارات اجتماعية، نشط الإقطاع السياسي وما يزال في إحكام سيطرة الكارتيل الحاكم على الحياة السياسية. فنجد أن الأحزاب التي دافعت تاريخيا عن القضايا الاجتماعية والمطلبية قد تلاشى دورها أمام الأحزاب الطائفية والعائلية والمناطقية. كما تعاظم وتكاثر دور الجمعيات “الإنعاشية” التابعة للزعامات الطائفية، على حساب الجمعيات التي كانت تكسر الحواجز المناطقية والمذهبية. وشكل تمزيق الحركة النقابية أحد أهم أهداف الإقطاع السياسي الحاكم، فشهدت حقبة ما بعد الطائف ولادة أكثر من 20 اتحادا عماليا جديدا خلال فترة 20 سنة، ليرتفع عدد الاتحادات المنضوية تحت الاتحاد العمالي العام الى أكثر من 50 اتحادا. وقد نجح الكارتيل الحاكم عبر هذه السياسة بقلب موازين القوى داخل الاتحاد العمالي العام، فسيطرت أحزاب الزعماء على قراره بشكل تام. والدليل الدافع على هذا هو الموقف الذي اتخذته قيادة الاتحاد العمالي العام خلال معركة زيادة الأجور في السنة المنصرمة، حيث وقفت هذه القيادة وما تزال مع مصالح الإقطاع السياسي والحالي وضد مصلحة العمال!
أما الوجه الثالث من سيطرة الطبقة الحاكمة على الحركة المطلبية في لبنان، فيتمثل في الترويج لثقافة تمجد الفرد على حساب الجماعة وتزرع الخوف من الآخر بطريقة ممنهجة. ليس مستغربا اذن أن يركز معظم وسائل الإعلام برامجه على تضخيم العوامل التي تبرز خطر “الآخرين”، خصوصا إن كانوا من طبقة أو دين مختلف. وليس مستغربا تدني الخطاب السياسي الى منطق “الهدايا” للشعب اللبناني و”الصيد الثمين” عندما يتم اختطاف الأشخاص. كل هذه المصطلحات يقصد منها بطريقة متعمدة الحفاظ على ثقافة الولاء للزعيم، عبر تصويره دائما أنه المخلّص والقادر الوحيد على مجابهة “المخاطر” المحدقة بجماعته.
وبالتوازي مع ثقافة الخوف ينشط الإقطاع الحاكم بتعظيم دور الفرد والغاء حساسيته تجاه الشأن العام. فنجد برامج ترفيهية تمجد الإنجاز الفردي، ومهرجانات ثقافية تتمحور حول مبادرات شخصية، وتشجيع دائم على ثقافة الاستهلاك عبر احتلال قطاع الإعلان (الذي يسيطر عليه أيضا الإقطاع السياسي الحاكم) حيّزا أساسيا من مساحات وسائل الإعلاموالمساحات العامة والطرقات والحدائق. حتى ثقافتنا التعليمية تخلت عن الإبداع وأضحت تمجد الربح السريع، فتكاثرت الجامعات الخاصة التي تعتمد على تعليم ادارة الأعمال وأصبح كل شاب وشابة يحلم بإدارة حياة غيره بدل استثمار وقته وحياته في مهن يحتاجها لبنان والمنطقة. نجح إذن الإقطاع السياسي بتحويل اللبنانيين من مواطنين يسعون وراء حقوقهم الى مستهلكين خاضعين. ونجحت سياسة تعظيم الإنجازات الفردية في جعل اللبنانيين يفقدون الثقة بإمكانية تحقيق تحسّن نحو الأفضل، مما عزز الهجرة والامتناع عن التعاطي في الشؤون العامة.
أحكمت الطبقة السياسية سيطرتها على المجتمع اللبناني، وعطّلت سبل التغيير فيه. مخطئ من يعتقد أن الزعماء الطائفيين هم المسؤولون الوحيدون عن هذا الوضع، إذ تمتد شبكة المصالح الى القطاع الخاص، فتسيطر الاحتكارات والكارتيلات على مجمل الأسواق، وتلعب وسائل الإعلام والإعلان الموالية لهذا “النظام” دورا أساسيا في ترويض الشعب وإحكام السيطرة عليه. فنرى حفنة من العائلات والقبائل تملك مصارف ومعامل وشبكات إعلام وأحزابا وجمعيات خيرية. وعبر اتفاقيات بتبادل خدمات، تتعاون هذه العائلات مع بعضها لترسيم حدود النفوذ والعمل المشترك على قمع أي تحرك يمكنه المساس بمكونات “الكارتيل” الحاكم.
تبدو مهمة استنهاض حركة مطلبية فاعلة شبه معدومة في ظل “كماشة” الإقطاع السياسي الاقتصادية وحتى الثقافية. ولكن هذه المهمة ليست مستحيلة. هناك بوادر مشجعة لتحركات مطلبية حول حقوق الإنسان والإصلاح السياسي واستعادة الحركة النقابية لدورها الحيادي، تقوم بها جمعيات وتكتلات كسرت حاجز الخضوع وقررت مجابهة الطبقة الحاكمة. كما برز العديد من الكتابات والمواد الإعلامية التي تنتقد وتفضح الكارتيل وممارساته. هناك حاجة لدعم هذه التحركات ومواكبتها، إذ يشكل الفضح الممنهج للكلفة الاجتماعية لبقاء النظام الحالي جزءا أساسيا من التحرك نحو ازالته. بموازاة ذلك، يجب دعم كافة التحركات الثقافية والفكرية التي تعطي نموذجا مختلفا للحياة في لبنان، عبر تركيزها على أهمية العمل العام، ورفض التمييز والإقصاء، وإعلاء شأن المواطنة على الاستهلاك.

نُشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية

Facebook Comments

Post a comment