آلة القتل العبثية في سوريا و لبنان مستمرة، ولا أفق لحل قريب في ظل تقاعس و تخاذل كل من يبدّون مصالحهم “الاستراتيجية” على حساب أرواح الأبرياء. أمام هذا الوضع يعيش المجتمع اللبناني تخبطا” عميقا”، اذ أظهرت الأزمة السورية مدى التناقضات التي تعصف بالكيان اللبناني. فمثلما لا يُجمع اللبنانيون فيما بينهم على مسائل أساسية كالأمن والعلاقات الخارجية والخيارات الاقتصادية، نجدهم منقسمين حيال الأزمة السورية و كيفية التعاطي معها. بعضهم ينأى بنفسه، و بعضهم يمول و يساعد و يحارب في سوريا. بعضهم يأوي لاجئين في منزله من دون مقابل، بينما آخرين يريدون اغلاق الحدود و يفرضون حظرا” للتجوال و قيود أخرى عنصرية على السوريين. تقع وراء كل هذه التناقضات مغالطات أساسية غُذيت بها عقول اللبنانيين منذ زمن بعيد، قد تساهم في تفسير واقعنا المرير. أولا”، لبنان ليس وطن نهائي لجميع أبنائه. ففي ظل أكذوبة النشيد الوطني و ما تبقى من أرزنا “الشامخ” (الذي بات يستعمل كزينة أعراس)، نجد لبنانيين يتكلمون لغات مختلفة و يجاهرون بانتماءات ثقافية وحتى قومية متنوعة، و يتعاملون فيما بينهم بعملات أجنبية، ولديهم عصبيات اقليمية و دولية تتخطى مساحة بلدهم الصغير. طبعا” يمكن أن يشكل هذا مصدر قوة، ﺇذ سهل انخراط اللبنانيين و نجاحهم في بلدان الاغتراب، و جعل من لبنان قوة أساسية في الصراع العربي الاسرائيلي، و حول البلاد الى مركز مالي أساسي في المنطقة. ولكن غياب الانتماء الوطني (و تلاشي هوية واحدة تجمع اللبنانيين) كان له و ما يزال ثمن باهظ على الصعيد الداخلي، من حروب و تفجيرات و فساد و انهيار مبرمج للخدمات العامة. الأكذوبة الثانية هي أن لبنان “أكثر من وطن، هو رسالة”، حيث يشكل نموذجا” يجب الحفاظ عليه للتعايش بين الأديان. أي تعايش هذا الذي يولد حروبا” أهلية و مجازر كل ثلاثين سنة؟ أين العيش المشترك عندما تتقاسم الطوائف البلاد و تحولها الى اقطاعيات دينية، تتحكم فيها بالأحوال الشخصية مانعة” الاختلاط بين البشر؟ أي رسالة يوجهها لبنان الى البشرية عندما لا تتسع أرضه الا لمن حالف الحظ أجداده أيام الانتداب؟ فيصبح أي داخل اليه انسانا” من الدرجة الثانية أو الثالثة يسلب من حقوقه الأساسية خوفا” من “تهديده للتوازن الداخلي الهش”.        الأكذوبة الثالثة هي أن الحل لمشاكلنا الأمنية يبدأ دائما” بتدابير عسكرية، فنجد ذات الدعوات للالتفاف حول المؤسسات الأمنية و تقوية دورها كلما وقعت حوادث و تفجيرات. طبعا” لا أحد ينكر الدور الأساسي الذي تلعبه أجهزة الأمن، و لكن لا يمكننا معالجة سرطان العنف في مجتمعاتنا عبر تناول “أسبرين” التدابير الأمنية. مشاكل مجتمعاتنا البنيوية كالفقر و البطالة بحاجة الى علاجات اجتماعية، اقتصادية و سياسية جذرية، يكون فيها البعد الأمني جزءا” من رزمة حلول كبرى. الأكذوبة الرابعة أن وضعنا المالي القوي هو صمام الأمان لدينا لتخطي الأزمات، حيث يجب ابعاد أي سياسة يمكنها اضعاف هذا القطاع، مثل ضرائب أعلى أو ما شابه. الواقع أن قطاعنا المالي، في شقيه العام و الخاص، تسيطر عليه عقلية “الدكنجي” الذي يهمه فقط كمية المال في جيبه و الربح السريع، غير مدرك لحجم مديونيته و قيمة أمواله الفعلية. الاقتصاد اللبناني يعوم في أموال ليست ملكه، ندفع عليها فوائد باهظة سوف ترهق كاهل أولادنا. زيادة الضرائب على هذا القطاع تصبح اذن ضرورية لتقويم هذا الاعوجاج. هذه هي الحقيقة المرّة.     طبعا” من يصدق (حتى مرغما”) هذه الأكاذيب وغيرها يمكنه أن يعيش “لبنانيته” مطمئنا” الى خيارات زعمائه المحلية والاقليمية. علّه يكتشف يوما” ما حقيقة سجنه الكبيرالملطخ بالدماء. –

نشر في جريدة المدن ٢٥-٨-٢٠١٣

Facebook Comments

Post a comment